عبد الشافى محمد عبد اللطيف

221

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ذلك ( سنة 17 ه ) « 1 » ، فقد أراد العلاء بهذه المبادرة - ولا نريد أن نقول : المغامرة - أن يسطر نصرا مثل انتصارات سعد بن أبي وقاص ، فإذا كان سعد قد فتح المدائن عاصمة آل ساسان ، فلماذا لا يفتح هو مدينة إصطخر ، وهي ليست أقل من المدائن في الأهمية ؟ . وعلى كل حال هذه منافسة شريفة بين الرجال ولا بأس بها ، غير أن الخطورة فيما قام به العلاء أنه قام به دون علم أو إذن الخليفة ، خاصة وأنه عرض المسلمين لكارثة ، فقد مكر بهم الفرس وأحاطوا بهم بعد أن تركوهم ينزلون شواطئهم ، وكادوا يفنونهم عن آخرهم لولا أن عمر بن الخطاب تدارك الأمر بسرعة وأنقذهم بنجدة سريعة من جند المسلمين الذين كانوا يرابطون في جنوب العراق ، بقيادة عتبة ابن غزوان . وكان جزاء العلاء بن الحضرمي على تلك المخالفة العزل من ولاية البحرين ، وتكليفه بأثقل الأمور إليه - حسب تعبير ابن الأثير - وهو أن يعمل تحت قيادة سعد ابن أبي وقاص « 2 » . التجربة الثانية حدثت ( سنة 20 ه ) ، حيث كانت قوة من جيش الحبشة قد غزت سواحل اليمن من البحر ؛ فأرسل عمر بن الخطاب حملة بحرية لتأديب الحبشة بقيادة علقمة بن مجزز المدلجي غير أن تلك الحملة هزمت وتحطمت مراكبهم ، وأضيفت تجربة أخرى فاشلة إلى تجربة العلاء ؛ لذلك إلى عمر بن الخطاب على نفسه ألا يحمل أحدا في البحر أبدا « 3 » . ويبدو أن الحبشة - رغم العلاقات الطيبة التي كانت تربطها بالمسلمين منذ أيام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد أصبحت ولأسباب لا نعرفها مصدر قلق للمسلمين ؛ لدرجة أن الخلفاء الراشدين كانوا يحسبون حسابها في خططهم الحربية يروي البلاذري أنه عندما قرر عمر بن الخطاب أن يخوض معركة نهاوند ضد الفرس ، الذين نقضوا كل عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين ، وأجبروا الخليفة على تغيير موقفه السابق بشأن عدم الاستمرار في الفتوحات ، وبعد أن استشار المسلمين في ذلك خاصة وأن التقارير أخذت تتوالى عليه من العراق بأن الفرس قد تجمعوا حول الإمبراطور يزدجرد الثالث ،

--> ( 1 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير ( 2 / 538 ، 539 ) . ( 2 ) الطبري ( 4 / 81 ) . ( 3 ) المصدر السابق ( 4 / 112 ) .